ما هي قيمة الاستثمارات المناسبة؟ الأموال تدفق في القطاع الاستهلاكي في دبي

 

تعد قطاعات الاستثمار في الرعاية الصحية والتعليم وكافة المجالات الأخرى المتعلقة بالمستهلك القطاعات الأكثر شعبية في منقطة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هذه الأيام، وذلك سواء في مجال الاستثمارات الخاصة أو الاستثمارات العامة، ولعل النجاح "المفاجئ" الذي حققه الاكتتاب العام الأولي لشركة "ماركة" هو واحد فقط من مؤشرات عدة على النمو السريع الذي يشهده قطاع الاستثمار. بداية،

 

دعنا نرى السبب وراء شعبية هذه القطاعات، ثم بعد ذلك نقرر ما إذا كان الوقت لا يزال مناسبًا للاستمرار أم أن الرغبة الشديدة في الاستثمار قد أدت بالفعل إلى رفع التقييمات وزيادة المنافسة لدرجة أصبحت عندها فكرة الاستثمار غير مناسبة. لماذا أصبحت قطاعات الاستثمارالمتعلقة بالمستهلك تضحى بشعبية كبيرة في الشرق الأوسط؟ تنقسم هذه الٱسباب إلى أسباب إيجابية و أخرى سلبية.

 

 

 

 

الأسباب الإيجابية

 

أهم ثلاثة أسباب وراء رغبة المستثمرين في الاستثمار في القطاعات الاستهلاكية في منقطة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا :

 

1. الخصائص السكانية (الديموغرافية)

 

يتمتع سكان منقطة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمجموعة من الخصائص التي تدعم النمو الاقتصادي بصفة عامة وقطاع المستهلك بصفة خاصة، فنسبة الشباب في هذه المنطقة مرتفعة جدا مقارنة بباقي مناطق العالم، وذلك وفقًا لإحصائيات البنك الدولي التي تقول أن نسبة السكان الذين تتراوح أعمراهم ما بين 0 و 14 عاما تصل إلى 30% في كل من مصر والسعودية، وهي أكبر الدول من حيث التعداد السكاني في المنطقة، كما أن أغلب السكان في هذه المنطقة يميلون إلى القطاعات المتعلقة بالمستهلك، وذلك مقارنة بـ 19% في الولايات المتحدة الأمريكية و 13% في ألمانيا. كما أن معدلات النمو السكاني في هذه المنطقة تفوق معدلات النمو السكاني العالمي، فمعدل النمو السكاني يبلغ 1.9% في السعودية و1.6% في مصر، في حين يبلغ فقط 0.7% في الولايات المتحدة الأمريكية و0.3% في ألمانيا. 

 

2. الإنفاق الحكومي

 

على الرغم من الانخفاض في أسعار النفط، يظل الإنفاق الحكومي مرتفع في المنطقة، ويركز على دعم القطاعات الاستهلاكية وقطاعات البنية التحتية، كما يحظى قطاع التعليم وقطاع الرعاية الصحية على وجه الخصوص بدعم كبير وفق ما تشير إليه ميزانيات مختلف البلدان بما في ذلك المملكة العربية السعودية، ويعد معدل الانفاق المرتفع طبيعيا بالنظر إلى نسبة الشباب ومعدلات النمو السكاني، كما تحركه دوافع سياسية في أعقاب أحداث الربيع العربي. وبالنسبة لهؤلاء الذين لديهم مخاوف بشأن تخفيضات الإنفاق الأخيرة المتعلقة بانخفاض أسعار النفط، فإن احتياطيات صندوق الثروة السيادية وإمكانية رفع الضرائب في العديد من البلدان توفر احتياطا كافيًا لدعم المزيد من الإنفاق لسنوات عديدة قادمة.

 

3. التطور الاجتماعي والاقتصادي

 

من المحتمل أن يكون التغيير النوعي للزيادة السكانية هو العامل الأكثر تأثيرًا في التطور الاجتماعي والاقتصادي في المنقطة. وفيما يلي بعض الحقائق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية التي تعد بمثابة مفتاح للمستثمرين في قطاع المستهلكين في المنطقة:

 

أ. التحضر

 

المستويات العالية من التحضر لها تأثير إيجابي على بعض أنماط الاستهلاك، مثل الأغذية المعلبة والمجمدة وتناول الطعام بالخارج واستخدام المرافق الصحية ومرافق اللياقة البدنية وغير ذلك، وقد وصلت مستويات التحضر في البلدان التي تهيمن عليها المناطق الصحراوية، مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية إلى 85٪ و 83٪ على التوالي، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة التي بلغت مستويات التحضر بها 81٪. ومن الناحية الأخرى، يبلغ عدد سكان المناطق الحضرية في مصر 43٪، وفقًا لإحصائيات البنك الدولي، ويمثل هذا احتياطيًا كبيرًا من المستهلكين المحتملين، وذلك مقارنة بالأسواق الناشئة العملاقة الأخرى مثل تركيا (73٪) أو حتى اندونيسيا (53%).

 

ب. زيادة عدد الأسر

 

يرتبط هذا مباشرة بالتحضر والمشاركة في أنماط الاستهلاك نفسها (الأغذية المعلبة وتناول الطعام خارج المنزل).

 

ج. ارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل

 

مشاركة المزيد من النساء في سوق العمل تعني مزيدًا من الدخل المتاح للأسر فضلا عن زيادة الطلب على المواد الغذائية المعلبة والمطاعم، وقد بلغت نسبة الإناث إلى الذكور في قوة العمل 32٪ في مصر و 26٪ في المملكة العربية السعودية (صعودًا من 24٪ في عام 1999) و 51٪ في دولة الإمارات العربية المتحدة، علمًا بأن هذه النسبة بلغت 82% في سوق العمل الأمريكي، غير أنه مع استمرار معدلات النمو، خاصة في المملكة العربية السعودية، تصبح هذه النسب بمثابة عامل دعم للتطور الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة.

 

د. الأطعمة "الغربية"

 

في حين أن الطعام الغربي يعد ظاهرة عالمية تحمل آثارًا محل جدل كبير على الصحة والنظام الغذائي، إلا أنها في الوقت نفسه تمثل دافعًا أساسيًا لأنماط الاستهلاك، ولعل أكثر هذه الأطعمة شعبية هو الهامبرجر (شطائر اللحم المشوي) الذي تناولته العديد من الدراسات، ولكن دعنا ننظر إلى الإحصاءات التالية لاستهلاك القهوة. وفقًا لمنظمة البن الدولية، ارتفع الاستهلاك العالمي من القهوة بمعدل سنوي مركب نسبته 2.3٪ من عام 2011 إلى عام 2014. وفي الفترة ذاتها، ارتفع بنسبة 8.6٪ في المملكة العربية السعودية وبنسبة مذهلة في مصر بلغت 121٪.

 

ه. زيادة التركيز على الصحة واللياقة البدنية

 

مع أنماط استهلاك الأطعمة "الغربية"، ظهر من جديد التركيز على الصحة واللياقة البدنية، وهذا يشمل التوجه إلى الأطعمة والوجبات الصحية وكذلك الذهاب الى صالات الالعاب الرياضية والمنتجعات الصحية، الخ.

 

الأسباب السلبية

 

هناك أيضا أسباب "سلبية" للمستثمرين فيما يتعلق بالتركيز على القطاعات الاستهلاكية.

تشهد المنطقة عددًا متزايدًا من الصناديق النقدية المخصصة للاستثمار في الشركات الإقليمية، غير أن المستثمرون يظهرون تحفظًا نسبيًا ويبحثون بشكل عام عن الاستثمار في القطاعات الدفاعية، وذلك مثل القطاع الاستهلاكي، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم، التي تعد أقل تقلبًا (دورية) بكثير من القطاعات الأخرى، مثل قطاع العقارات والخدمات المالية، التي لا تزال تشكل جزءً كبيرًا جدًا من رأس المال السوقي في أسواق الأسهم الإقليمية.

مع عوامل الدفع والجذب القوية هذه، من السهل أن نفهم هذا الميول القوي نحو هذه القطاعات، والذي يمكن تفسيره هذه المرة بالتركيز على قطاع الإنتاج الغذائي. فقد أعلنت منظمة الخليج للاستشارات الصناعية أن الاستثمارات في الصناعات الغذائية في دول مجلس التعاون الخليجي شهدت نموًا بمعدل سنوي مركب نسبته 14.8٪ خلال الفترة من عام 2010 إلى 2014، وارتفع عدد المصانع إلى 1965 مصنعًا بمعدل نمو سنوي مركب قدره 5.2٪، في حين زادت قوة العمل إلى 238825 عاملًا بمعدل نمو سنوي مركب قدره 10.6٪. ويمثل هذا القطاع 12.1٪ من إجمالي قطاع الصناعة ويساهم بنسبة 6.2٪ من استثماراته و15.6٪ من القوة العاملة.

 

السؤال

هل هذه القطاعات لا تزال تقدم فرصًا استثمارية جذابة أم أن بعضها قد دخل مرحلة "الفقاعة"؟ الإجابة ليست دقيقة.

 

قطاع التعليم

 

جميع الأدلة التي رصدناها تشير إلى عدم وجود قدر كاف من الاستثمارات لدعم جودة التعليم في أجزاء رئيسية من دول مجلس التعاون الخليجي، ومن الناحية الأخرى، نلاحظ أنه على الرغم من وجود العديد من المستثمرين على دراية بفرص الاستثمار السانحة في قطاع التعليم، إلا أننا نادرًا ما نرى أية عروض مناسبة بشأن هذه الاستمارات.  

 

قطاع الرعاية الصحية

 

الرعاية الصحية لديها العديد من القطاعات الفرعية، مثل المستشفيات والعيادات وشركات المعدات الطبية وشركات الأدوية وما إلى ذلك، غير أنننا نرى نفس الديناميكية الخاصة بقطاع التعليم في قطاعات المستشفيات والعيادات، حيث يزيد عدد المشترين بكثير عن عدد البائعين، وأما في قطاعات الأدوية والمعدات الطبية، فالوضع أكثر مرونة نظرًا لكون هذه القطاعات سوقًا تجارية، فمعظم المنتجات الدوائية يتم استيرادها من الخارج، في حين تتجه صناعة الدواء الإقليمية الناشئة أيضًا نحو سوق التصدير.

 

صناعة المواد الغذائية والمشروبات

 

(ملاحظة: يغطي هذا مجموعة واسعة جدًا من القطاعات الفرعية)

فيما يتعلق بصناعة الأغذية وسلسة قيمة التوزيع، يبدو أن هناك طلبًا مستمرًا لاستبدال الواردات بمنتجات محلية ذات جودة عالية، فمع معايير الجودة الأعلى التي تفرضها الحكومات، مثل حكومة الإمارات العربية المتحدة وحكومة المملكة العربية السعودية، نتوقع أن يواصل هذا القطاع نموه بطريقة صحية، ولكننا مرة أخرى نجد في هذا القطاع عدد من المشترين أكبر بقليل من البائعين، وفي رأيي، يعد قطاع المطاعم الأكثر مدعاة للقلق، فقبل عامين تقريبًا، كانت المخاوف بشأن فائض الاستثمار تركز على طرف السوق العالي جدًا، أو ما يعرف أيضًا بالمطاعم الفاخرة، ويتميز هذا القطاع الفرعي بالأسماء التجارية الشهيرة التي يتم استيرادها بشكل عام من الغرب والاعتماد الكبير على مبيعات "البار" (bar sales)، وهذا يخلق مشكلتين رئيسيتين من منظور الاستثمار؛ الطبيعة "الشهيرة" للعلامة التجارية تعني أن كل اسم تجاري يمكن تسجيله مرة واحدة فقط في كل مدينة (إلا إذا كنت في لندن ويمكنك أن تدعم اثنين من علامات nubu التجارية للمطاعم الفاخرة على سبيل المثال). فكر في جميع المطاعم الفاخرة التي استطاعت الاستمرار في مركز دبي المالي العالمي وغيرها العديد من المطاعم الأخرى التي ظهرت واختفت أو على وشك الاختفاء. ونظرا لوجود عدد قليل من المدن في منطقة الشرق الأوسط التي يمكنها دعم مثل هذه العلامات التجارية، نجد أن فرص النجاح وتحقيق أداء جيد لمثل هذه الأسماء التجارية تكون محدودة للغاية من وجهة نظر المستثمرين.

 

والاعتماد على مبيعات البار يخلق بدوره عقبتين للاستثمار:

1. لا تتوفر التراخيص إلا في أماكن محدودة ومدن محدودة، وحتى ذلك الحين تمثل هذه التراخيص مخاطر كبيرة حيث يمكن سحبها لأسباب مختلفة وبموجب عدد قليل جدًا من الإخطارات.

2. هناك عدد قليل جدًا من المستثمرين على مستوى العالم يرغبون في دعم هذه العلامات التجارية التي تعتمد على مبيعات البار نظرًا لشعبية الاستثمارات في المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في هذه المنطقة.  

أضف إلى ذلك أن مثل هذه الأنواع من العلامات التجارية تجذب بشكل قوي بعض المستثمرين الراغبين في الاستثمارات غير المالية، مما يدفع هؤلاء المستثمرين إلى دفع مبالغ كبيرة مقابل هذه العلامات التجارية (لأسباب غير المالية)، وكل هذا يسفر عن مناخ استثماري مكلف جدًا يضم عدد بائعين أكبر من المشترين، وهو ما يمثل مفارقة فعلية.

بعد أن أدرك المستثمرون في قطاع الأغذية والمشروبات تحديات الاستثمار في مجال المطاعم الفاخرة، انتبهوا إلى إمكانية الاستثمار في قطاع المطاعم الشعبية، وهذا القطاع-الذي يعد منخفض إلى متوسط المدى-يشمل كل شيء بدءً من سلاسل "الوجبات السريعة" وحتى المطاعم العائلية. ولعل نجاح بيع أسهم سلسلة مطاعم شكسبير إلى NBK Capital، وأسهم كودو (سلسلة مطاعم للوجبات السريعة في السعودية) إلى مجموعة الأبراج و شركة TPG، وأسهم "كافيه بيتيل " إلى L-Capital Asia، يعد مؤشرًا على رغبة الشركات الخاصة في الاستثمار في هذا القطاع الفرعي. ولكن السؤال هنا هو ما إذا كانت هذه هي استثمارات جيدة أم لا. بالطبع، سيخبرنا الوقت عن ذلك، ولكن مؤشرات السوق على ما يبدو تشير إلى أن تقييم سلسلة كودو كان منخفضًا جدًا، على أقل تقدير. 

هناك مخاوف أكثر تتعلق بما نراه في طرف السوق ذات التعاملات الأصغر، فلم يعد بإمكاننا أن نحصي عدد مطاعم الهامبرجر ومطاعم الشطائر وغيرها من سلاسل الوجبات السريعة التي تٌفتتح أو تسعى لبدء أنشطتها في المنطقة، فنحن بالتأكيد نستشعر وفرة المستمرين في هذا الجانب من السوق، وفي الوقت نفسه يشهد عدد المطاعم التي تتطلع لدخول السوق (متأثرة بقصص النجاح المذكورة أعلاه) تزايدًا مستمرًا. فهذه الظاهرة من المستثمرين الأوائل الذين حققوا استثمارات ناجحة وعقبهم موجة قوية من المقلدين تعد ظاهرة مهمة يجب الحديث عنها. 

ويعد قطاع الصحة واللياقة البدنية من القطاعات الاستهلاكية التي نرى فيها صورة مختلطة، فبعض المحاولات المبكرة لإنشاء صالات رياضية راقية لم تكن ناجحة، وفي الآونة الأخيرة، كانت هناك تقارير متضاربة حول إغلاق بعض الصالات الرياضية، في حين أفادت وسائل أخرى إشغال هذه الصالات بالكامل ورفع أسعارها.

ويسري دائمًا مبدأ "على المشتري أن يحذر". ففي حين توفر القطاعات الاستهلاكية أساسيات جيدة للاقتصاد الكلي، إلا إنه لا يجب أبدًا الاستثمار بدون معرفة ودراية فعلية، فالأساس الجيد للاقتصاد الكلي ليس سوى مجرد فكرة مناسبة للاستثمار، حيث تشمل الخطوات التالية دراسة متأنية للقطاع الفرعي والمنطقة الجغرافية المراد الاستثمار فيها، بالإضافة إلى تحليل مفصل وتقييم لخطة العمل. ففي الواقع، يعد التقييم الفعال المفتاح الأول للنجاح، وذلك لأنه يساهم في تخفيف مخاطر الاستثمار، على العكس من الإنفاق المفرط على الاستثمار الذي لا يأتي بنتيجة إيجابية، وإنما يمحو القيمة التي يسعى المستثمر إلى خلقها.