توضيح مفهوم رأس المال المؤسساتي المغامر (CVC)

 

في السنوات الثلاثة الماضية، ساهمت الشركات بنسبة 25% من إجمالي رأس المال المغامرالمؤسساتي عالمياً. ويُعرف هذا النشاط الاستثماري باسم رأس المال المغامر المؤسساتي

 ( (Corporate Venture Capital ويمكنه برأيي أن يكون واحداً من أذكى سبل الاستثمار في يومنا هذا.

وليس بسرٍّ أن التكنولوجيا اليوم هي إحدى أكثر فئات الأصول المالية إثارة. فقد جنى المؤسسون لشركات التكنولوجيا والمستثمرون فيها بعضاً من أضخم الثروات في العالم. ويحظى المستثمرون الأوائل بالجانب الأهم من النمو في رأس المال في حين ينال الأشخاص الذين يستثمرون بعد طرح الشركة أسهمها على الجمهور فرصة في تحقيق عائدات مغرية أيضاً، وهو ما يثبته الأداء المُسجَّل مؤخراً لكبريات أسهم شركات التكنولوجيا في العالم. وتبعاً للمرحلة التي يستثمرون فيها، يُعرَف المستثمرون الأوائل بالمستثمرين الأوليين، أو المستثمرين الملائكة، أو الرأسماليين المغامرين. ولكن كما يعلم كل مستثمر حكيم، يمكن أن يوجد مقابل كل استثمار مغامر يتكلل بالربح، ما يصل إلى 10 أو 20 استثمار يُقدِّم القليل من العائدات، هذا إن عاد بشيء أصلاً وذلك في ظل بيع بعض الشركات مقابل قيمة لا تتعدى ما استثمره المستثمرون فيها، أو إفلاس تلك الشركات كلياً. وفي سبيل الخروج كطرف رابح أمام مثل تلك الاحتمالات الصعبة، ينبغي على المستثمرين أن يأخذوا بالاعتبار تطبيق الإستراتيجيات التالية:

  1. تنويع الخطر

إن تكوين محفظة متنوعة هو أمر في غاية الأهمية. فإذا كان لديك ما دون 10 استثمارات في محفظتك، لن تصب الاحتمالات في صالحك، وسيكون لديك استثمارات خاسرة فقط. فكلما كان عدد استثماراتك أكبر، كلما كان الأمر أفضل. قامت واحدة من أشهر شركات رؤوس الأموال المغامرة العالميه،

 500 Startups، بتشييد نفسها على أساس هذه الإستراتيجية الاستثمارية.  

      ٢. قم باختيار الصفقات (بذكاء)

إن اختيار الهدف بعناية أمرٌ أساسي في دفع الاحتمالات للسير في صالح المستثمر. وفي حين ثمة معايير واسعة للقيام بمثل تلك الاختيارات، سيكون المستشار الجيد قادراً على تزويدك بتحليل تفصيلي مشفوع بالحقائق والأرقام الموثوقة لمساعدتك في اتخاذ قرارات ذكية.

    ٣. قم إقتناء الفرص

فتماماً كما أن امتلاك محفظة متنوعة جداً من المشاريع الناشئة يقلص مجازفتك، يؤدي ترشيح عدد كبير من الأهداف إلى زيادة فرصك بالربح. وستعمل إستراتيجية كهذه على صقل خبرة وبراعة المستثمر أو مدير المحفظة. وإنه لمن الاعتيادي أن تسمع مستثمري رأس المال المغامر يقولون بأنهم يراجعون ما بين ثلاثة إلى خمسة فرص مختلفة يومياً، في حين أنهم قد يقومون باستثمارٍ أو استثمارين شهرياً. فتماماً كما هو الحال في البحث عن منزل، كلما رأيت المزيد، كلما أدركت أهمية تلك الميزة النادرة.  

    ٤. تحلى بالكفاءة

يجب القيام بنشاط ترشيح الأهداف وتنفيذ الاستثمارات على نحو متسم بالكفاءة لناحية الوقت والكلفة لكي لا يشكل ذلك تحدياً أمام هدف امتلاك محفظة عديدة الاستثمارات (بحيث يكون كل استثمار منها صغيراً). فالقيام بذلك سيساعد على إبقاء التكاليف متدنية دون المساس بأية عائدات.

    ٥. هيكلة الصفقات

بالطبع، يُعتَبر التنفيذ أمراً في غاية الأهمية ويمكن للهيكلة أن تكون مساعدة جداً في التقليل من المَخاطر في هذا الصدد وزيادة العائدات بالنسبة لمستثمري رؤوس الأموال القائمة على المغامرة. ففي المجمل، هؤلاء المستثمرون هم في الغالب الوحيدون الذين يضخون مالاً فعلياً في الشركة في حين يحتفظ المؤسسون بمعظم القيمة المالية مقابل أفكارهم الكبيرة وجهودهم المضنية. وفي ظل الاهتمام المُنصَب حول التكنولوجيا والاستثمار في رؤوس الأموال القائمة على المغامرة، قد يكون من المفاجئ للكثير من الأشخاص أن يدركوا أن عائدات صناديق رؤوس الأموال القائمة على المغامرة هي عادية في الغالب لأنه من شأن إستراتيجية تنويعٍ ذكيةٍ أن تفضي تلقائياً إلى عائدات أكثر تواضعاً. فبينما يمكن لاستثمار واحد أن يعود بالنفقة الأولية مرات عدة، ينبغي على هذا العائد الفائض أن يغطي العديد من الاستثمارات الأخرى التي تفشل، لتكون الحصيلة الصافية بذلك أقرب إلى المتوسط.

وهذا ما يحصل على وجه التحديد عندما تأخذ في الحسبان الوقت الذي تستغرقه الشركة الناشئة حتى يتم بيعها، وحقيقة أن مستثمري رؤوس الأموال القائمة على المغامرة يحتاجون في معظم الأحيان إلى المشاركة في الجولات اللاحقة (التي تؤدي إلى عائدات أقل) من أجل مواصلة دعم شركاتهم وتشجيع مستثمرين آخرين على الانضمام إلى قائمه المستثمرين. ولكن لا يخضع جميع اللاعبين في لعبة رأس المال المغامر إلى القواعد عينها. ففي الوقت الذي يقوم فيه مستثمر مالي ما في رأس المال المغامر بجلب المال إلى الشركة إضافة إلى بعض الخبرة في القطاع (وهو أمر متوقف على متسع الوقت المتاح لدى المستثمرين في رأس المال المغامر من أجل دعم الشركة)، يوجد لدى الشركات والمجموعات العائلية ذات المصالح التجارية المتنوعة المزيد لكي تضعه على القائمه.

ففي الواقع، يمكن للشركة المستثمرة في شركة ناشئة ضمن قطاعها أو قطاع ذي صلة أن تُحدِث تغييراً أساسياً في خطة عمل الشركة الناشئة الأمر الذي يزيد بدوره فرصها في النجاح على نحو كبير ما لم يضمن ذلك نجاح تلك الفرص.

  1. يمكن للشركة الناشئة أن تكون مُورِّداً للشركة المستثمرة

 وفي هذا السيناريو، يكون بوسع الشركة أن ترفق استثمارها باتفاق تجاري تتمتع بموجبه الشركة الناشئة بزيادة مضمونة في عائداتها وأرباحها. وبدورها تجني الشركة المستثمرة الفوائد من خلال الزيادة في تقدير قيمة الشركة الناشئة وتوزيع المكاسب الناجمة عن الأرباح. ويتمتع هذا الدعم من جانب الشركة المستثمرة للشركة الناشئة بتأثير مضاعف أيضاً على العملاء الآخرين الذين يشجعهم تظهير شركات رأس المال المغامر، فيصبحون بدورهم أكثر ارتياحاً في منح الشركات الناشئة الحديثة مزيداً من الأعمال.

       ٢. يمكن للشركة الناشئة أن تكون زبوناً للشركة المستثمرة

وفي هذه الحالة، بوسع الشركة المستثمرة أن تجذب زبوناً جديداً بشروط تجارية مغرية ونمو مرتفع، بحيث يمكنه أن يصبح زبوناً مهماً نسبياً على نحو سريع. ومن خلال دعم الشركة الناشئة، تساعد شركة رأس المال المغامر في خلق منافذ جديدة لمنتجاتها وخدماتها وفي توثيق الصلة مع الزبائن المستقبليين قبل قيام منافسيها بذلك. وغني عن القول أن النفوذ المصاحب لكون الشركة مساهماً رئيسياً يمكن استغلاله لمضاعفة الفوائد الناجمة عن هذه العلاقة الخاضعة من دون شك إلى القواعد الخاصة بحوكمة الشركات.  

       ٣. يمكن للشركة الناشئة أن تكون منافساً محتملاً لشركة رأس المال المغامر أو حتى مسبباً كبيراً للاضطراب

في الواقع، قامت الشركات الناشئة، التي نمت بسرعة ضخمة وأبطلت أنماط الأعمال القديمة، بالإطاحة بالعديد من أساطين الصناعة. لذلك يمكن للاستثمار في إحدى تلك الشركات المسببة للإضطراب أن يكون إجراءاً تحوطياً ممتازاً لدرء مثل تلك الأحداث التي لا يمكن التنبؤ بعواقبها. يمكن للشركة المستثمرة أن تتعلم من الشركة الناشئة، وتُدْخِل بعض ابتكاراتها في نموذج عملها الخاص بها. كما يمكنها أن تبقى شريكاً سلبياً وتستفيد من نجاح الشركة الناشئة بمجرد كونها مستثمراً. أو يمكنها أن تَخْـلُص إلى أن تكنولوجيا الشركة الناشئة جوهرية لنجاح الشركة المستثمرة (أو حتى بقائها)، وتختار بذلك اكتساب تلك التكنولوجيا كلياً، لتكمل بالتالي دورة الاستثمار عن طريق دمج فريق الشركة الناشئة وابتكاراتها كلياً ضمن تركيبتها.

وكما يمكنك أن ترى، تزداد احتمالية نجاح الشركة الناشئة بصورة كبيرة، في جميع تلك السيناريوهات، من خلال الحصول على الاستثمار من قبل رأس المال المغامر المؤسساتي. ولا تؤدي العلاقة إلى توطيد قابلية التنبؤ بتدفق المال إلى الشركة الناشئة فحسب ولكنها تعزز سمعتها في السوق إجمالاً ما يفضي إلى دورة تعود بالربح على الطرفين. ولذلك قد يكون مفاجئاً عدم وجود المزيد من برامج رأس المال المغامر المؤسساتي حول العالم. بالتأكيد ثمة عدة تحديات يجب تذليلها من أجل ضمان نجاح برنامج كهذا، منها:

  1. الإدارة وإعداد التقارير

تنطبق جميع التحديات التي تواجهها رؤوس الأموال المغامرة التقليدية على شركات رأس المال المغامر أيضاً: الاختيار الجيد للهدف، تنويع الحقيبة، والتنفيذ المتسم بالكفاءة. ولكن هنالك طبقة إضافية من مخاطر التنفيذ تشير إلى أنه ينبغي على شركة رأس المال المغامر إدارة العلاقة التجارية على نحو مناسب من أجل ضمان نجاحها. هذا وينبغي العبور بالمكاسب المتوخاة لدى الاستثمار نحو مرحلة التنفيذ من خلال دورة حياة الاستثمار وربما ما يتجاوزها، من أجل جني العائدات المتوقعة. ومثل هذا التطبيق ليس بالسهل نظراً لأنه يتطلب تنسيقاً سلساً بين الفرق المستثمرة والفرق التجارية والتشغيلية. وفي المنظمات الكبيرة، تماماً كما هو الحال مع شركات رؤوس الأموال المغامرة، يمكن أن يكون هنالك فرق منفصلة ذات منطلقات فكرية مختلفة، ناهيك عن الاختلاف في مسارات إعداد التقارير. ويتطلب التوفيق بين هذه المسارات المتباينة للعمل قيادة قوية، وإستراتيجية واحدة، ووحدة في الرؤية وهي أمور توجد على أفضل صورة في المؤسسات المرموقة.  

     ٢. التقيد الصارم والبيروقراطية

يمكن أن يكون حجم الشركة التي تدعم شركة رأس المال المغامر عائقاً بقدر كونه مصدر قوة. فجعل شركة ضخمة جداً، وبيروقراطية في الغالب، تتعاون مع شركة ناشئة هو أمر تعتريه عدة تحديات. إذ يصاب مدراء الشركة الناشئة بالإحباط من البيروقراطية والسير البطيء للشركة المستثمرة، كما ينفر المدراء التنفيذيون للشركة المستثمرة من الفوضى وعدم الانتظام والخطى الفائقة السرعة التي تمثل سمات للشركات الناشئة الناجحة.

      ٣. كبح الإبداع (عوضاً عن تشجيعه)

يمكن أن يوجد هنالك فخ متمثل بإمساك الشركة بزمام السيطرة أو امتلاكها الكامل للشركة الناشئة. ورغم وجوب القيام بذلك في بعض الحالات (على سبيل المثال، عندما تصبح الشركة الناشئة أمراً لا غنى عنه بالنسبة للشركة المستثمرة)، ينبغي السماح به في ظل ظروف استثنائية فقط. يمكن للمنطلق الفكري الذي لدى الشركة المستثمرة أن يكبح الإبداع في الغالب، وقد يكون من المحال على المؤسسين ومدراء الشركة الناشئة أن يؤدوا عملهم على نحو فعال في ظل سياق كهذا.

وفي النهاية، يمكن للشركات المستثمرة أن تولد فائضاً من المكاسب والعائدات عن طريق الاستثمار في الشركات التكنولوجية الناشئة بواسطة برامج رأس المال المغامر المؤسساتي. وإضافة إلى العائدات القوية الناجمة عن استثمار تكنولوجي ناجح، يمكن للشركة المستثمرة أن تحقق عائدات إضافية في ميزانيتها العامة بواسطة إيرادات متنامية أو نفقات أقل أو ابتكار متسارع ووصول مبكر إلى التكنولوجيات الجديدة. ويمكن تحقيق ذلك فقط من خلال التنفيذ الحذر والعمل الجماعي القوي بين فرق الشركة المستثمرة ومستشاريها.